كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عما يمكن أن نطلق عليه "الصهيونية العربية" والتي تخطت تعاملاتها مع الكيان الصهيوني حاجز اتفاقيات "كامب ديفيد" والتي بمقتضاها خرجت مصر من الصراع العربي الإسرائيلي، وترك قطاع غزة لمصيره الصهيوني برفض الرئيس السادات استلامه ضمن الاتفاقية باعتبار أنه كان تحت الإدارة المصرية قبل احتلاله مع سيناء إبان هزيمة 5 يونيو/حزيران 1967.
وكذلك اتفاقية "وادي عربة" الأردنية الموقعة عام 1994، وإن بدا ظاهرها اتفاقية سلام حول رسم الحدود والمياه، إلا أن جوهرها أمني واضح في البند الرابع والذي نص على "إلزام الطرفين بمكافحة الإرهاب ومنع دخول أو إقامة أو عمل أي مجموعات أو تنظيمات معادية للطرف الآخر على أراضيها" (وهذا يمس مباشرة فكرة تحجيم المقاومة ومنع أي اختراق للحدود).. وصولاً إلى "أوسلو" وهي اتفاقية أمنية بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية لتحجيم المقاومة وبمقتضاها تحولت السلطة لشرطي إسرائيلي لحماية أمن الاحتلال والدخول في مواجهات مع المقاومة الفلسطينية.. وانتهاءً بـ "الإبراهيمية" التي خرجت من طوع التطبيع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي إلى حركة صهيونية داخل البيت العربي تتبنى وتنفذ الأجندة الصهيونية.
وكانت المفاجأة التي هزت أركان البيت العربي ـ إن كان لازال موجوداً ـ ما كشفته الصحف الأمريكية "وول ستريت جورنال" ونيويورك تايمز" وموقع "واللا" الإسرائيلي، خلال يومي 9 و17 مايو/آيار 2026، عن وجود قاعدتين إسرائيليتين سريتين في العراق، الأولى في منخفض غير لافت للنظر بصحراء النخيب على الحدود العراقية السعودية، و بحسب مجلة "شبيجل" الألمانية، أن القاعدة مثلت قاعدة متقدمة لإسرائيل خلال الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026، وقد أكدت وكالة الأنباء الألمانية "د ب أ" ما ذكرته الصحف الأمريكية والإسرائيلية بشأن القاعدة الثانية في قاع بحيرة جافة بالصحراء الممتدة بين محافظتي كربلاء والنجف، والتي كُشف عنها أحد رعاة الماشية مطلع مارس/آذار الماضي، فيما تحدثت وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية عن وجود قاعدة ثالثة بالصحراء الغربية للعراق، وهذه القواعد تم استخدامها في حرب الـ 12 يوما (خلال يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز 2025) والحرب الحالية ضد إيران.
الصدمة فيما كشف عن العراق تجاوز المنظومة الإبراهيمية واتفاقيات السلام المكتوبة بالحبر على الورق، وتحولت إلى "تسهيلات جغرافية" على الأرض، تسمح بوجود عسكري صهيوني عند مثلث الحدود (العراقي الأردني السعودي) وفي جنوب العراق (أي على الحدود الإيرانية) الذي يوجد في شماله بإقليم كردستان قاعدة استخباراتية ونشاط أمني إسرائيلي، ليصبح العراق الخاصرة الرخوة والتحالف الصامت فوق الرمال المشتركة للعراق والسعودية والأردن ضد إيران، لضرب أي محاولة للمقاومة أو للتصدي للمشروع الأمريكي-الإسرائيلي.
** قائد فيلق الصهيونية
أما الإمارات فهي قائد فيلق الصهيونية العربية، التي تُصنف في تل أبيب كأكبر حليف لإسرائيل في الشرق الأوسط، منذ توقيع اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل خلال فترة ترامب الأولى في أغسطس/آب 2020، وهو ما تأكد ـ وفقا لما كشف عنه موقع أكسيوس ـ بإرسال نظام الدفاع الجوي "القبة الحديدية" الذي لا يستخدم إلا في إسرائيل وأمريكا إلى الإمارات مع فريق عمل عسكري من الجيش الإسرائيلي لمواجهة الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وكان السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي قد قال يوم الثلاثاء (12 مايو 2026) "إن إسرائيل أرسلت بطاريات لنظام القبة الحديدية للدفاع الجوي وأفرادا لتشغيلها إلى الإمارات، لأن هناك علاقة استثنائية بين الإمارات وإسرائيل مبنية على اتفاقيات إبراهام، وسبق لإسرائيل أن زودت الإمارات بأنظمة دفاع جوي". ووفقا لوكالة رويترز فقد قال أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي في 17 مارس/ آذار 2026، "إن هجمات إيران على جيرانها العرب ستعزز العلاقات بين إسرائيل والدول العربية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية".
وكذلك إعلان الإعلام الإسرائيلي عن قيام رئيس وزراء إسرائيل ورئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلية "الموساد" ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي بزيارة أبو ظبي، التي نفت تلك الزيارات لكن الإعلام الإسرائيلي أكدها، خاصة هيئة البث الإسرائيلية التابعة لجيش الاحتلال، التي تحدثت عن زيارة وفد عسكري رفيع إلى الإمارات قبل الحرب على إيران، ومناقشة خطط الهجوم، إضافة إلى زيارة رئيس الموساد الإسرائيلي لأبوظبي أيضاً، وأرجعت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية الإعلان عن تلك الزيارات من جانب الإدارة الإسرائيلية لامتعاضها من قرار الإمارات الاستعانة بمصر بعد أسابيع على نشرها للقبة الحديدية.. فيما أرجعت القناة 12 الإسرائيلية، إنكار الإمارات لزيارة نتنياهو ، وكل الزيارات لخوفها من الظهور كطرف في المحور المضاد لإيران، التي أتهمتها بذلك ، والسعي لإبقاء مستوى ظهورها في ما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل منخفضاً نسبياً.
ولم يقف الدور الإماراتي عند حدود التنسيق العسكري المباشر، بل امتد لتبني المخطط الصهيوني التاريخي الساعي لتفتيت الحواضر العربية إلى كيانات ممزقة يسهل اختراقها والسيطرة عليها. ويتجلى ذلك بوضوح في هندسة أبوظبي لملفات إقليمية شديدة الخطورة؛ بدءاً من الدعم اللوجستي لميليشيات الدعم السريع في السودان لتدمير جيشه ومؤسساته، مروراً بدعم المشاريع الانفصالية في جنوب اليمن ـ ما فجّر مواجهة مع السعوديةـ وصولاً إلى تبني الموقف الإثيوبي في ملف سد النهضة لتهديد الأمن المائي المصري، ودعم انفصال "صوماليلاند" التي سارعت إسرائيل للاعتراف بها.. هذا التمزيق الجغرافي يتقاطع مع تغذية الانقسام الليبي عبر دعم معسكر الشرق، وصولاً للخطيئة الأكبر والمتمثلة في محاولة صناعة وتغذية ميليشيات محلية مشبوهة داخل قطاع غزة، يسعى الاحتلال لتوظيفها كبديل إداري وأمني لضرب بنية المقاومة الفلسطينية.
وليس أدل على إنغماس الصهيونية العربية في الحرب ضد إيران ما قالته السيناتور الأمريكية عضوة الحزب الجمهوري "جوني كاي إيرنست" خلال جلسة بالكونجرس الأمريكي في 14 مايو 2026، لتقييم عملية الغضب الملحمي ضد إيران ونقلتها الصحف الأمريكية ومنها "ذا ناشيونال"، "إن دول الخليج، ولا سيما الإمارات، واجهت وتلقت حجماً هائلاً من النيران الموجهة إليها، لكنهم لم يكونوا مجرد متفرجين سلبيين في هذه الحرب، بل ساهموا في كل خطوة من جهودنا، ونحن نقدر مساهمتهم في نجاحاتنا الميدانية".. وفي ذات الجلسة، أشاد قائد القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط "السنتكوم" الأدميرال براد كوبر، بالدور الأردني الذي وصفه بأنه "لا غنى عنه"، وقال "إن كل ما أنجزناه وحققناه في هذه الحرب كان سيكون مستحيلاً لولا مملكة الأردن"، مشيراً إلى أن الأردن استضاف القوات الأمريكية واعتراض مئات الصواريخ والمسيرات الإيرانية (نحو 280 مقذوفاً)، ووصف الشراكة بأنها أتاحت بناء مظلة دفاع جوي موحدة لحماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، كما وجه كوبر الشكر للإمارات والبحرين، لدورهما المباشر في منظومة الدفاع والتنسيق العملياتي خلال الحرب، قائلاً "لقد دافعوا عن أنفسهم ودافعوا عن الأمريكيين طوال فترة المواجهة".
** طوق النار لبيروت ودمشق
في ذلك الإطار تتحرك السلطة اللبنانية لتوقيع اتفاق سلام أمني مع الاحتلال من خلال المفاوضات المباشرة التي تجرى في واشنطن برعاية أمريكية، والتي توصلت مؤخراً بعد جلستها الثالثة والتي جرت يومي الخميس والجمعة (14 و15 مايو/آيار 2026) وتقرر وفقاً لبيان الخارجية الأمريكية إطلاق مسار أمني منفصل في مبنى البنتاجون يبدأ في 29 مايو/ أيار الجاري، بمشاركة وفود عسكرية من كلا البلدين؛ لتعزيز قنوات الاتصال والتنسيق العسكري المباشر لتسهيل التهدئة، بوضع آليات تنسيق عسكري مباشر والحد من الخروقات الميدانية، لتفكيك سلاح المقاومة جنوب نهر الليطاني وفقاً للرؤية الأمريكية الإسرائيلية لضمان عودة مستوطنات الشمال الإسرائيلي، وبسط سيادة الجيش اللبناني بفرض سيطرة الدولة على السلاح غير الشرعي "أي سلاح المقاومة".. ووفقا لذلك المسار سيتم تشكيل فرق عسكرية لبنانية إسرائيلية لمواجهة المقاومة في جنوب لبنان بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية.. كما أوضح بيان الخارجية الأمريكية استئناف المسار السياسي للمفاوضات يومي 2 و3 يونيو/ حزيران المقبل في واشنطن، وهو المسار الذي سيفضي إلى التطبيع بين بيروت والاحتلال الإسرائيلي على نهج الإمارات ومن على شاكلتها.
ولا يفوتنا أيضاً في ذلك السياق سوريا في ظل النظام الإرهابي الحاكم بقيادة أبو محمد الجولاني وتنظيمه "جبهة النصرة" والذي يتفاوض للتطبيع السياسي والأمني والاقتصادي مع الاحتلال، هذا النظام الجديد يقف متفرجاً والاحتلال يدمر الترسانة العسكرية للجيش العربي السوري ـ الجيش الأول للجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا سابقاً، والذي يحسب للجيش المصري تمسكه بلقب الجيش الأول لنظيره السوري ضمن عقيدته وترتيبه العسكري لقواته حتى اليوم ـ كما غض تنظيم الجولاني الطرف عن احتلال جبل الشيخ ومحافظتي درعا والقنيطرة، إلى جانب هضبة الجولان، ليفرض الاحتلال طوقاً أمنياً محكماً بالجنوب السوري يحقق به خطوة متقدمة نحو حلم "إسرائيل الكبرى".
الصهيونية العربية باتت واضحة، كائن حي يتنفس ويعيش بيننا، وليس قاصراً على ديانة بعينها، أو طائفة دينية، لقد أصبح نهج أنظمة حاكمة.
----------------------------------
بقلم: محمد الضبع






